رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا تراجع الذوق العام وأصبح الغرق في التفاهة عاده يومية، واختيار مفضل لمحتوى الفيديوهات السطحيه على السوشيال ميديا.

تخيل! 
فيديو مدته 40 ثانية يحتوي على شتائم قبيحة وإهانات شخصية يحقق 23 مليون مشاهدة في 36 ساعة.

الأرقام تتحدث والصورة مؤلمة والذوق العام يتدنى، حيث تشهد منصات التواصل  الاجتماعي ارتفاعا ملحوظا في معدلات الإعجاب والمتابعة للمحتوى الهابط الذى يتسم بالتفاهة أو الابتذال سواء في الألفاظ أو السلوكيات أو النقاشات المفتعلة بين بعض صناع المحتوى وفي المقابل تراجع الاهتمام بالقضايا الجادة والمحتوى العلمي والثقافي لصالح موجة من (التريندات) التي تعتمد على الضجيج لا القيمة ولأن أي إصلاح يبدأ من تشخيص المرض يصبح من المهم رصد حجم الظاهرة وأسبابها قبل الحديث عن علاجات واقعية

تشير الإحصاءات الحديثة للمنصات الكبرى إلى أن ما يقرب من 60–70% من المحتوى الأكثر مشاهدة على “تيك توك” و“ريلز” يتمثل في مقاطع سطحية أو مثيرة للجدل بينما لا يتجاوز المحتوى التوعوي والعلمي نسبة 10–12% من إجمالي التداول كما تحصد مقاطع الشجار وتبادل الاتهامات ملايين المشاهدات خلال دقائق في حين تكافح الموضوعات الجادة للوصول إلى جمهور مستقر.

هذا الانجذاب للمحتوى المتدني ليس وليد الصدفة بل نتيجة عدة عوامل متشابكة .
 فهناك غياب واضح للوعي الرقمي لدى جزء كبير من الجمهور وعدم إدراك لخطورة الاعتياد على مشاهد العنف والابتذال مما يصنع حالة من (التبلد الأخلاقي)  فيفقد المتابع حساسيته الاخلاقيه والعاطفيه وتنتشر السلوكيات الهابطة بين الجمهور  فيتكون لديه مايسمى باعتياد القبح وتطبيعة في الحياه اليومية نتيجة التعرض المستمر للمحتوى السلبي. 

القبح لم يعد استثناء  بل أصبح يوميا، فتجد شتيمه تصبح تريند ويتكرر استخدامها بشكل يومي في الشارع والمدرسة والجامعة وقد تصل إلى المنزل، خبر طلاق أو فضيحه يحقق 15 -30 مليون مشاهده ويصبح حديث السوشيال ميديا، ألفاظ نابيه كانت تعتبر (عيب )  أصبحت عادية في الحياة اليومية والكومنتات ،حتى مسلسلات البلطجة والخيانة والانتقام تتصدر نسب المشاهدة وهو ما يعكس تغيير في الذوق العام نفسه وليس فقط في طبيعة المحتوى. 

أخطر ما في هذا الاعتياد 
أنه يحدث داخل أدمغة 37 مليون شاب وشابه تحت سن 25 وهم أكثر من 60% من مستخدمي منصه تيك توك حسب التقارير المعلنة، وهناك دراسة للمجلس القومي للطفولة والأمومة أن 74%  من المراهقين يتعرضون لمحتوى يحتوي على عنف لفظى أو تنمر يوميا على السوشيال ميديا.

النتيجة؟
أصبح الشاب يعتبر الشتيمة حريه تعبير و(روشنة )
والتفاهة تريند وبتجيب فلوس وتظن الفتاة أن هذا التريند هو السبيل الوحيد للشهرة وأن البلطجة تعني القوة والشجاعة والسبيل الأسرع للحصول على حقه.
خطورة اعتياد القبح ليست في الفيديو نفسه بل في التأثير العصبي والنفسي طويل المدى فكل مرة يضحك الشاب على إهانة أو لفظ خارج يقوى في دماغه مسار يقول أن الإهانة والألفاظ النابية ترفيه وخفة ظل و(روشنة)  فيتشكل جيل يفقد التعاطف ويقدر القوة على الرحمة والانتشار على المبدأ 
 من المسؤل؟
بالتاكيد معظم صناع المحتوى يسعون وراء الانتشار السريع ولو على حساب القيمة والرسالة مستفيدين من خوارزميات منصات لا تهتم إلا بمدد المشاهدة وعددها 

لكن!
السبب الأهم والأخطر هو أنا وأنت ! كل لايك كل ضحكة كل شير هو تصويت لتعليم أولادنا أن القبح مقبول، يضاف إلى ذلك تراجع دور الإعلام الرصين في تقديم نماذج قوية وملهمة 

وتراجع دور الأسرة البناء المؤثر في تحديد ملامح شخصية وأفكار أبنائها  وافتقاد لغة الحوار المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة فتركت الأسرة أولادها فريسة للترفيه الفيسبوكي ولفيديوهات الثوان السريعة وأصبح يبتعد عن الفيديوهات العميقة المفيدة وينظر لها كأنها مناهج دراسية مملة  ولأن المسؤولية مشتركة تصبح مراحل العلاج واضحة:
-رفع الوعي الرقمي خاصة الشباب بناء وعي يستطيع من خلاله التميز بين الجمال والقبح وخطورة تأثيره 

  • أن نربي أولادنا على احترام عقولهم وأن الترفيه ليس عدوا للعقل لكن التفاهه والسطحية هي العدو
  • أن تهتم المدرسة والجامعه ببناء الذوق  الراق عن طريق الموسيقى/ والرسم والفنون/ وتفعيل المسرح المدرسي والجامعي  واكتشاف المواهب وتعزيزها وتوجيهها   
    -تشجيع المحتوى الراقي ودعمه فيتكون لدى الشاب ذوق راق وبالتالي يلفظ التدني تلقائيا ولا يكون فريسة للقبح و الذوق الهابط

أيضا استعادة الإعلام
لدوره التنويري
وتقديم دراما تبني الذوق العام بدلا من هدمه بناء الإنسان يبدأ من شاشة صغيرة نشاهدها يوميا ومن كلمة وصورة تشكلان رؤيتنا للحياة 
المشكلة ليست في السوشيال ميديا ذاتها بل في ما نختاره ونقبله ونبرره وإن كنا نريد مجتمعا أكثر وعيا ورقيا فلا بد أن نضع أيدينا على السبب ونعالجه

مصر بلد الحضارة التي علمت العالم الأخلاق قبل العلم 
لو سمحنا للقبح أن يتسلل حياتنا أمام أعيننا وأن  يتربى عليه أولادنا ويخترق أدمغتهم ويسرق الجمال داخلهم لن نخسر جيلا فقط بل نخسر هويتنا بأكملها  

القبح ليس قدر لكنه اختيار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء