أوشكت الانتخابات البرلمانية على الانتهاء، وتركت مشاعر مختلطة بين الانتصار والإحباط لدى المهتمين بالشأن العام وكثيراً من المواطنين، البعض شعر أن ما حدث كان مجرد مسرحية لا علاقة لها بالديمقراطية، بينما يرى آخرون أننا مستمرون في نفس المسار القديم رغم فقد البرلمان جزءًا كبيرًا من شرعيته قبل أن يبدأ عمله، ليصبح واقعا ًمؤقتاً يجب التعامل معه بحكمة إلى حين الفصل النهائي في الطعون القضائية، التي من المحتمل أن تقر اننا أما برلمان فعلى مجبرين على التعامل معه خلال الخمس سنوات القادمة.
وفي هذا الواقع المؤقت، يظهر السؤال الحاسم: هل ستستمر الأمور على حالها أم حان الوقت لبدء عملية إصلاح سياسي حقيقي تغير قواعد اللعبة وتعيد الثقة للمواطن؟ الجواب واضح، فالمرحلة الحالية فرصة لإعادة النظر في كل ما يتعلق بالحياة السياسية، بدءًا من الأحزاب ووصولاً إلى البرلمان والنظام الانتخابي، قبل أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد شعارات رنانة وديكورات سياسية لا تسر الناظرين.
المحطة الأولى للإصلاح الحقيقي يبدأ من الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون البوابة الرئيسية لبناء الكوادر الحقيقة وجذب الشباب لممارسة ديمقراطية سليمة عبر القنوات الشرعية التي خولها الدستور والقانون للجميع، وأن تكون بيئة آمنة تحمي الراغبين في العمل السياسي وتشجعهم على المشاركة لا أن تصبح بيئة خطرة وطاردة، أحزاب تشجع الشباب على إثبات ذاته وتحقيق أحلامه وتطلعاته لا أحزاب قاتلة للطموح والتمكين تتخذ الإقصاء منهجاً والاستحواذ سبيلاً ، الأحزاب ليست مجرد شعارات على أبواب المقرات، بل هي المدارس الحقيقية للسياسة، منصة لتدريب القادة، لطرح البرامج والسياسات، وإتاحة المشاركة الفاعلة لكل عضو في صنع القرار، هي التي تصنع كوادر قادرة على المنافسة، وتحول المشاركة السياسية من أفكار وشعارات على الورق إلى ممارسة عملية وملموسة في البرامج والسياسات قابله للتنفيذ والنقاش داخل البرلمان تساعد متخذي القرار ويستفيد منها المجتمع.
المحطة الثانية هي النظام الانتخابي نفسه، الذي يحتاج إلى مراجعة شاملة لضمان العدالة والشفافية، بداية من قانون الانتخاب، وتقسيم الدوائر، ومباشرة الحقوق السياسية، لكى يصبح لدينا نظام انتخابي منصف وشفاف يضمن وصول الكوادر المؤهلة، يساهم في تحويل التنافس من تنافس بين الأشخاص والعصبية القبلية والمال السياسي لتنافس حقيقي على البرامج والأفكار، ليصبح بناء دوله مدنية ديمقراطية حديثه ممكنًا وملموسًا على الأرض.
المحطة الثالثة فهو البرلمان الذى يعتبر القلب النابض للديمقراطية الحقيقية، نقطة بداية هذه المحطة تبدأ من استقلاليته واستقلاليته تأتى من طريقة انتخابه واختيار نوابه وإذاعة جلساته ، الذى ينعكس بالطبع على أداء أعضائه، البرلمان الحقيقي ليس مجرد ديكور مكمل للشكل الدستوري لمؤسسات الدولة، البرلمان الحقيقي يجب أن يكون مطلق اليد في التشريع والرقابة والمحاسبة، برلمان معبر عن الشعب لا عن الحكومة ، برلمان يدرس قبل أن يشرع ، يستمع لصوت المواطن وأصحاب المصلحة لا لصوت الحكومة ، برلمان يضبط ويراقب أداء الحكومة ويضمن مساءلتها وعزلها إذا لزم الأمر.
المرحلة الحالية هي لحظة فاصلة، وفرصة لإعادة ضبط الحياة السياسية قبل أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد عروض شكلية، الإصلاح السياسي لا يكتمل إلا بإرادة حقيقية لمواجهة الواقع، وبإعادة هيكلة الأحزاب، وضمان انتخابات نزيهة، وبرلمان قادر على ممارسة دوره بفعالية وشفافية، المواطن ينتظر نتائج ملموسة لا شعارات، وفرصة التغيير متاحة لأولئك الذين يمتلكون الجرأة للعمل والالتزام بخدمة الشعب قبل أي مصالح أخرى.