رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من صفحات «أزمة كيسنجر».. نقاط التحول في العلاقات المصرية الإسرائيلية

كيسنجر
كيسنجر

في ذكرى رحيل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، تعود إلى الذاكرة المليئة بالتوترات والتحركات السياسية الدقيقة بين القاهرة وواشنطن، تلك المذكرات التي سجل فيها تفاصيل تفاعلاته مع الرئيس الراحل أنور السادات، لتكشف عن صورة معقدة للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في أعقاب حرب أكتوبر 1973.

فرصة قلب المواقف العربية تجاه إسرائيل

بين صفحات مذكراته التي تحمل عنوان «أزمة كيسنجر»، وصف السادات بأنه يمثل «أفضل فرصة لقلب المواقف العربية تجاه إسرائيل»، مؤكداً أن المشكلة بين مصر وإسرائيل كانت في جوهرها نفسية، ناتجة عن عدم ثقة تل أبيب بنوايا القاهرة وخوفها على أمنها. 

وأشار إلى أن الحل يكمن في منح إسرائيل إحساساً بالأمان، وهو ما وافقه عليه السادات، لكنه أضاف بصراحة أن السبب الجوهري للأزمة يعود إلى رفض عبد الناصر الاعتراف بالهزيمة في 1967 وإصراره على الحل العسكري، الأمر الذي كلّف مصر الكثير.

تنازلات استراتيجية وإعجاب إسرائيلي

اتفق الطرفان على مشروع «النقاط الست»، الذي وضعته رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير، والذي تضمن احترام وقف إطلاق النار، واستعادة المواقع العسكرية في 22 أكتوبر 1973 تحت إشراف الأمم المتحدة، وضمان وصول الإمدادات الغذائية والطبية إلى السويس، واستبدال النقاط الإسرائيلية بمراقبة دولية، وتبادل الأسرى والجرحى. 

واعتبرت جولدا مائير الاتفاق «إنجازاً خيالياً يفوق توقعات إسرائيل»، بينما قدم السادات تنازلات جوهرية تضمنت رفع الحصار عن الجيش الثالث المصري وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، بما في ذلك 36 طياراً أسقطتهم الدفاعات الجوية المصرية.

كما وافق السادات على تخفيف الحصار البحري على مضيق باب المندب بطلب من كيسنجر، مع إبقاء الأمر سرياً حتى لا يضر بموقفه العربي، قبل أن يصل كيسنجر إلى القاهرة في 13 ديسمبر 1973 لاستكمال التحضيرات لعقد مؤتمر جنيف الدولي، الذي كان يهدف إلى خلق مظلة للقاء سياسي مباشر بين مصر وإسرائيل، بعد رفض الفلسطينيين التفاوض في المرحلة الأولى، وخلال المفاوضات، طلب كيسنجر من السادات العمل على رفع الحظر البترولي عن الولايات المتحدة، ووافق السادات على كل طلباته، رغم أن الجيش المصري كان لا يزال محاصراً في السويس، وكانت خطة عسكرية تُعرف باسم «الخطة الشاملة» جاهزة للتنفيذ لإزالة هذا الحصار، إلا أن السادات رفض تنفيذ الخطة، واختار التفاوض على الرغم من وجود قوات مصرية كبيرة وإمدادات عسكرية جديدة من الاتحاد السوفيتي والدول العربية، وهو ما أظهر مرونة سياسية كبيرة أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

اتفاقية فك الاشتباك الأول: قيود على القوات والإمكانيات

في 18 يناير 1974، تم التوصل إلى اتفاقية فك الاشتباك الأول على الجبهة المصرية، والتي تضمنت سحب معظم القوات والأسلحة المصرية من سيناء، مع الإبقاء على 7000 جندي و30 دبابة وست بطاريات مدفعية، مع قيود على الطيران والصواريخ لضمان عدم الإضرار بالاتفاق، وقد أبدى الفريق الجمسي دهشته أمام الحضور من المصريين والإسرائيليين والأمريكيين، معتبراً أن الاتفاق قلل من حجم القوات المصرية بشكل كبير مقارنة بما أنجزته في المعركة.

على الجانب الآخر، واصل السادات تقديم تنازلات استراتيجية، بما في ذلك الإسراع في إعادة إعمار مدن القناة وإعادة سكانها المهجرين، ورفع الحظر البترولي العربي عن الولايات المتحدة في 18 مارس 1974 بعد ضغط مصر على الدول العربية، بينما وافق الرئيس السوري حافظ الأسد على ذلك مقابل فك الاشتباك على الجبهة السورية، وهو ما تحقق في 31 مايو 1974.

تداعيات التسوية على السياسة الإقليمية

أشار كيسنجر في مذكراته إلى أن هذه التسويات تسببت في تغييرات كبيرة على مستوى السياسة الإقليمية، مع استقالة جولدا مائير وتولي إسحاق رابين رئاسة الوزراء في إسرائيل، الذي بدأ أول زيارة له إلى واشنطن بطلب فصل عملية التسوية المصرية عن السورية، مستغلاً مرونة السادات لتحقيق سلام منفرد، بينما واصل كيسنجر رحلاته المكوكية في المنطقة للحصول على تنازلات لصالح إسرائيل، على حساب الحقوق العربية، لتظل هذه الفترة شاهداً على الدبلوماسية الدقيقة التي شكلت معالم السياسة الشرق أوسطية لعقود لاحقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء