رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«علاقة ضرورة لا ثقة».. السادات يكشف حدود التعامل مع كيسنجر في مذكراته

السادات وهنري كيسنجر
السادات وهنري كيسنجر

في ذكرى وفاة وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر، تبقى شهادة الرئيس الراحل أنور السادات جزءًا مهمًا من قراءة إرث رجل لعب دورًا فاصلًا في حقبة مضطربة، واختار دائمًا أن يكون لاعبًا فوق رقعة الشطرنج لا مجرد وسيط. 

لكن تلك الشهادة تكشف أيضًا كيف واجهته مصر بندّية واضحة، وكيف أن ما جرى في أكتوبر 1973 لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل نقطة تحوّل فرضت على العالم، وعلى كيسنجر نفسه، إعادة النظر في قواعد اللعبة.

أكتوبر 73.. لحظة قلبت قواعد اللعبة أمام كيسنجر

يذكر السادات في مذكراته «البحث عن الذات»، أنه بعد توقف القتال بين مصر وإسرائيل، كانت القاهرة المحطة الأولى التي قصدها كيسنجر ليبدأ ما سمّاه بـ«الدبلوماسية المكوكية»، وينقل الرئيس الراحل صورة لرجل مذهول من قرار الحرب ومن قدرة مصر على قلب الطاولة في أكتوبر، حتى إنه قال له إن تلك الحرب غيّرت قواعد اللعبة بشكل لم تتوقعه واشنطن ولا تل أبيب، لكن السادات، رغم تقديره لتلك الاعترافات، لم يغفل وصفًا دقيقًا لطبيعة هذا الزائر الثقيل، فهو يراه داهية سياسية تجمع بين الذكاء والمناورة، وتستثمر الغموض كأداة احترافية لتأمين مساحة حركة واسعة لا تمنحه أي التزام نهائي.

ومع بدء مفاوضات فصل القوات، لعب كيسنجر دور الوسيط المباشر بين مصر وإسرائيل، وهو دور يعترف السادات بأهميته، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن كيسنجر كان حريصًا على الظهور بمظهر صاحب الفضل الوحيد في كل تقدم يتم إحرازه، وهو ما عبر عنه في الكتاب بقوله: «كان يحب أن يبدو المخلّص»، غير أن الجانب المصري لم يكن مستعدًا لمنح أي وسيط فرصة لتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها السادات للحفاظ على السيادة المصرية. 

ويؤكد أن كيسنجر كان يبالغ أحيانًا في عرض ما يواجهه من صعوبات مع الإسرائيليين، لا لشيء إلا بهدف الضغط على القاهرة لتقديم تنازلات إضافية، ورغم ذلك، مضت المفاوضات حتى وصلت إلى اتفاق فصل القوات الأول، الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحرك السياسي.

ذكاء ومراوغة.. السادات يرسم ملامح شخصية كيسنجر الغامضة

في قراءته لشخصية كيسنجر، يرسم السادات ملامح دقيقة لرجل شديد الذكاء لكنه بارع في إخفاء نواياه، لا يتحمس إلا لما يخدم المصالح الأمريكية أولًا، ثم الإسرائيلية باعتباره يهوديًا ألماني الأصل، فيقول عنه: «كان يؤمن بأن الحلول يجب أن تُنجز قطعة قطعة»، وهو منهج لم يكن يروق السادات الذي كان يريد حلولًا شاملة تعيد الحقوق في صورة واضحة لا تحمل التواءً أو مماطلة. 

ومع ذلك، يعترف الرئيس الراحل بأن كيسنجر أدّى دورًا مهمًا بعد الحرب، وساهمت تحركاته في فتح الطريق أمام تسويات كان من الصعب تحقيقها من دون وجوده، حتى وإن لم يكن الرجل صريحًا أو مباشرًا في كل مواقفه.

مصر صاحبة القرار وكيسنجر في علاقة ضرورة

في نهاية رحلته مع هذا الرجل، يقول السادات إن كيسنجر اضطر في النهاية للاعتراف بواقع جديد، وهو أن مصر أصبحت صاحبة القرار في المنطقة بعد حرب أكتوبر 73، وأن موازين القوى تغيّرت بشكل نهائي، ومع أن كيسنجر حاول، بدبلوماسيته المعتادة، أن ينسب لنفسه الفضل في كل ما جرى، فإن ذلك لم يغير شيئًا من حقيقة أن مصر اختارت مسارها بنفسها، ويصف السادات العلاقة معه بأنها علاقة ضرورة أكثر منها علاقة ثقة، علاقة فرضتها الظروف لكنها لم تصنع ودًا حقيقيًا.

ولا ينسى السادات أن يعود إلى عام 1971، حين لعب كيسنجر دورًا في نقل إحدى مبادرات السلام المصرية إلى إسرائيل، حين كان كيسنجر مقتنعًا بأن العرض المصري معقول ويمكن البناء عليه، لكن جولدا مائير رفضته بشدة، ليس فقط لأنها لم تكن راغبة في أي مرونة سياسية، بل لأن عرض السادات حمل من الدهاء ما فيه إحراجٌ لها، وهو ما ترك أثرًا مبكرًا في إدراك السادات لطبيعة الرجل وموقعه داخل معادلة اتخاذ القرار الأمريكي الإسرائيلي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء