منظومة حقوق الإنسان الدولية، تتعرض لاختبار جاد وحقيقي إثر حرب غزة ،وتبعاتها التي لاتزال مستمرة حتي هذه اللحظة، حيث كشفت حجم الفجوات العملاقة ما بين النص القانوني والتصور الأخلاقي وبين واقع بدد معانيها وافرغها من مضمونها، واقع صادم وإن لم يكن مفاجئ، حيث أنها ليست المرة الأولي التي تنكشف فيها محدودية تأثير آليات منظومة حقوق الإنسان الدولية عندما تصطدم بواقع تفرضه المصالح الاستراتيجية للدول الكبري عندما تتعارض مع مهام وغاية وأهداف هذه الآليات.
ومأساة غزة قدمت لنا نموذجا واضحا تبلورت فيه كيف رسخت قوة عظمي كالولايات المتحدة مفهوم الإفلات من العقاب عبر ما قدمته وما تقدمه من غطاء شامل لأطماع وجموح إسرائيل التي توافرت فيها عبر ما تبنته من سياسات أتناء الحرب وقبلها وبعدها مقومات الدولة المارقة، ومع ذلك ظلت بفضل هذا الدعم اللا محدود واللا مشروط محصنة من أي مساءلة أو محاسبة لما ارتكبته من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وكذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ولكن قبل الاسهاب في استعراض ملامح الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة لحقوق الإنسان في حربها الأخيرة علي غزة، علينا أن نقدم أولا نبذة موجزة عن منظومة حقوق الإنسان الدولية، التي يحاول هذا المقال تقييم مدي فاعليتها أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير علي غزة.
منظومة حقوق الإنسان الدولية هي إطار عالمي يتكون من مجموعة من المبادئ والقواعد والآليات التي تهدف إلى حماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية دون تمييز. نشأت هذه المنظومة بعد الحرب العالمية الثانية، بدءًا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في عام 1948، ثم توسّعت عبر معاهدات دولية أساسية مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى اتفاقيات متخصصة كاتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقيات حقوق الطفل والمرأة والاشخاص ذوي الإعاقة.
تعتمد المنظومة على مؤسسات متعددة، أبرزها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، إلى جانب هيئات المعاهدات التي تراقب مدي وافاء الدول بالالتزامات التي تفرضها كل اتفاقية علي حدي.
كما تساهم محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية في محاسبة مرتكبي أخطر الانتهاكات، وكذلك محكمة العدل التي من الممكن في بعض المواضع أن تلعب دور أحد آليات المنع والحماية داخل منظومة حقوق الإنسان عندما تفض النازعات بين الدول حول الالتزامات التعاهدية ذات الصلة بحقوق الإنسان في بعض الاتفاقيات التي تتيح ذلك مثل اتفاقية منع وتجريم الإبادة الجماعية علي سبيل المثال.
ولا نستطيع أن نتحدث عن منظومة حقوق الإنسان الدولية دون التطرق الي القانون الدولي الإنساني الذي يسري فقط في وقت حرب ومناطق الصراع المسلح، والتي تتمثل بشكل أساسي في اتفاقيات جنيف الأربعة وبرتوكولاتها الإضافية الثلاثة، فضلا عن اتفاقيات لاهاي الخاصة بقوانين واعراف الحرب، واتفاقيات معينة تحظر أسلحة بعينها كالسلاح الكيميائي والألغام المضادة للأفراد والمقذوفات العنقودية.
وبعد سرد هذه الإطار العام لمنظومة حقوق الإنسان الدولية، نجد أن الحرب الإسرائيلية علي غزة لم تترك اتفاقية أو ميثاق تقريبا إلا وانتهكته علي مدار هذا العدوان، حيث تم تجاوز كافة قوانين الحرب بالاستهداف المتعمد للمدنيين، وتعريضهم للتهجير القسري والقتل الجماعي والحرمان من الوصول للغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، فضلا عن استهداف البني التحتية الخدمية والمدنية، كالمنازل والمشافي ومحطات المياه والكهرباء علي سبيل المثال لا الحصر، بشكل ممنهج. وهذه الانتهاكات الإسرائيلية لا تقتصر أدلتها الثبوتية علي تقارير وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، بل خلصت العديد من آليات حقوق الإنسان الدولية إلي ثبوت ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي لكافة هذه الجرائم تقريباً.
فقد صنفت رسمياً لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل المشكلة من جانب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سلوك إسرائيل في غزة بـالإبادة الجماعية، بناءً على تحليل قانوني لأفعال جيش الاحتلال في ميدان القتال وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين.
وفي يناير 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر مؤقتة بشأن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب المادة التاسعة من اتفاقية منه وتجريم الإبادة الجماعية، إذ أعلنت المحكمة أن هناك خطرًا حقيقيًا ووشيكًا بإبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، وأن على إسرائيل أن تتخذ جميع التدابير الممكنة لمنع أعمال قد ترقى إلى مستوي الإبادة الجماعية. ولاتزال القضية محل نظر أمام المحكمة. وكما هو معلوم إسرائيل تجاهلت التدابير التي ألزمتها بها المحكمة، وواصلت الانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين في غزة دون هوادة علي ما يقارب عامين آخرين منذ صدور التدابير المؤقتة من جانب المحكمة.
والمحكمة الجنائية الدولية التي تتمتع بولاية قضائية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب انضمام دولة فلسطين لها في عام 2015، أصدرت مذكرات توقيف ضد كل من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف جالانت، حيث وجه مدعي عام المحكمة إليهم من خلال مذكرات التوقيف تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وفقا للمواد 7و8 من نظام روما الأساسي المنظم لعمل المحكمة.
بالنظر لهذه التدابير والتحركات التي قامت بها أضلع مختلفة لمنظومة حقوق الإنسان الدولية نجد أنها تفاعلت بشكل مباشر وحيوي مع مجريات حرب غزة، وأطلقت التوصيفات القانونية الدقيقة علي ما ترتكبه إسرائيل من انتهاكات في غزة، وشكلت في مجملها أدلة دامغة تدين السلوك الإسرائيلي في غزة، ولكن علي أرض الواقع اصطدمت منظومة حقوق الإنسان الدولية بواقع أليم كشف محدودية فاعلية هذه الآليات علي الأرض من حيث قدرتها علي وقف المقتلة في غزة ناهيك عن محاسبة المسؤولين عنها.
مجلس حقوق الإنسان الذي أثبتت لجنته المستقلة التي شكلها، تورط إسرائيل في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في حق الشعب الفلسطيني في غزة، والذي أصدر نحو 6 قرارات تدين انتهاكات إسرائيل منذ اندلاع الحرب، لا يستطيع أن يصدر قرارت إلزامية، والحقيقة المرة أن مجلس الأمن الدولي هو الجهاز الأممي الوحيد الذي يملك سلطة الإلزام القسري بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وطبعا الولايات المتحدة من خلال حق الفيتو توفر لإسرائيل الوقاية اللازمة من أي تدابير قد يحاول مجلس الأمن فرضها عليها من حيث المنع أو المحاسبة.
ولم تكتفي الولايات المتحدة بفيتو مجلس الأمن بل أخذت علي عاتقها التضييق علي المحكمة الجنائية الدولية من خلال فرض عقوبات أحادية عليها بهدف ترهيب محققين وقضاة المحكمة وتقييد قدرتهم علي مواصلة عملهم، وبالإضافة للولايات المتحدة، قامت دول أوروبية مثل إيطاليا وألمانيا والمجر وبولندا بانتقاد مذكرات المحكمة الجنائية الدولية بحق القادة الإسرائيليين وأعلنت عدم التزماها بها بالرغم من عضوية هذه الدول الأوروبية بالمحكمة، والمجر ذهبت لما هو أبعد من ذلك وبدأت في اتخاذ إجراءات الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية لتتنصل من أى التزام بشكل تام.
في مناخ كهذا انفضحت علي نحو غير مسبوق ازدواجية المعايير التي تتمتع بها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الوازنة، وساهم هذا في تقويد قدرة منظومة حقوق الإنسان الدولية علي محاسبة المسؤولين عن المأساة الإنسانية التي تشهدها غزة.
أظهرت الحرب إسرائيل الوحشية علي غزة عجز آليات منظومة حقوق الإنسان الدولية عن التدخل الفعلي أثناء النزاعات المسلحة عندما يتعارض ذلك مع مصالح الدول الكبري، وذلك نظراً لاعتماد هذه الآليات في المقام الأول على تعاون الدول الأعضاء وامتثالها لنصوص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والآليات والمؤسسات الدولية المسؤولة عن إنفاذها، وهو ما يعكس محدودية تأثير هذه المنظومة في مثل هذه الظروف كما كشفت الحرب علي غزة حجم الفجوة بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من جهة، وبين التطبيق العملي من جهة أخرى، إذ تؤثر المصالح الاستراتيجية للدول النفاذة على فعالية المنظومة بشكل جوهري.
في المحصلة، أثبتت حرب غزة أن منظومة حقوق الإنسان الدولية تمتلك أدوات قانونية قوية، لكنها تعاني من ضعف التنفيذ السياسي والعملي، مما يجعلها معرضة للتحديات أمام الانتهاكات واسعة النطاق أثناء النزاعات المسلحة، لاسيما عندما تتعارض هذه الأدوات مع مصالح أطراف دولية وازنة مثل الولايات المتحدة.