رسائل أسوان والسد.. صوت «حراجي القط» يخلد اسم عبد الرحمن الأبنودي
صدر حديثًا عن المجلس الأعلى للثقافة كتاب جديد للناقد الدكتور رضا عطية، بعنوان «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية»، ليشكل مناسبة لإعادة قراءة تجربة شاعر العامية الأكثر تأثيرًا في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
يقدم الكتاب قراءة متعمقة لمسيرة الأبنودي الشعرية، مع التركيز على القضايا الكبرى التي تناولها: البناء الوطني، التاريخ المعاصر، الهوية المصرية، مرورا بالحروب والأزمات، وصور المرأة، الزمن، الموت، والمكان، وصولا إلى رؤية شاعر قادر على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى قصائد تنبض بالحياة والمجتمع.

هذا الملف يستعرض زاوية هامة من تجربة الأبنودي، وهي نقل صوت الشعب المصري العادي من خلال الشعر الشعبي، مع التركيز على واحد من أشهر أعماله وأكثرها تأثيرا: ديوان «جوابات حراجي القط».
جوابات حراجي القط.. وثيقة تاريخية واجتماعية
صدر ديوان «جوابات حراجي القط» في أواخر الستينيات، ليكون أول عمل شعري يحاكي الواقع الاجتماعي لملايين المصريين الذين شاركوا في بناء السد العالي.
يروي الديوان حكاية العامل المصري حراجي القط وزوجته التي تبقى في القرية (فاطنة أحمد عبدالغفار)، من خلال رسائل متبادلة بينهما، تعكس الحنين، الاشتياق، التعب، والمغامرة في العمل الوطني الكبير، إذ يعتبر هذا العمل أكثر من مجرد شعر، فهو وثيقة اجتماعية وتاريخية.
رصد الأبنودي في ديوان «جوابات حراجي القط»، البنية التحتية والتحديات الكبرى، ويوميات العمال في السد العالي، والجهد الجسدي والنفسي، والصعوبات التي واجهتهم، كأنه يضع الإنسان في مواجهة التاريخ، محللا كيف انعكست الأحداث الكبرى على حياة الأفراد والمجتمع.
فاطنة أحمد عبدالغفار، صوت المرأة وزوجة حراجي القط، تمثل القوة الصامتة التي تتحمل الغربة والمسافات الطويلة، وتظل حجر الأساس في حياة الأسرة المصرية، وترصد الرسائل الزمن الذي يمضي ببطء على العمال، والمكان الذي يتحول إلى ذاكرة وطنية، والموت كحقيقة مستمرة في حياة الإنسان العادي، وبهذه الطريقة، قدم الأبنودي في «جوابات حراجي القط» نموذجا للشعر الشعبي الذي يوثق تاريخ الوطن من زاوية المواطن البسيط.
الأبنودي والهوية المصرية الكبرى
الدكتور رضا عطية، في كتابه «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية»، أكد أن الأبنودي لم يكتب عن العمال كتجارب فردية فقط، بل حولها إلى رمز للهوية المصرية، فالسد العالي في شعره ليس مجرد مشروع هندسي، بل رمز لقدرة الشعب المصري على الإنجاز والتحدي والصمود.
وبالمثل، تناول الأبنودي في شعره أحداث النكسة وحرب أكتوبر، موثقا تجربة الإنسان في مواجهة الهزيمة والانتصار، وكيف تتقاطع السياسة والتاريخ مع الحياة اليومية للفرد العادي.
كما ركز الأبنودي على المرأة المصرية، بوصفها شريكا في الحياة والعمل، وعلى الزمن والمكان والموت كعناصر تضاف إلى ثقل التجربة الإنسانية، ما يجعل شعره شعبيا، ووطنيا، وإنسانيا في الوقت ذاته.
فنجده في جواب لزوجته بعد أن اعتاد وصفها بـ(الجوهرة المصونة والدرة المكنونة) يرسل لها:
الجوهرة المصونه
والدره المكنونه
زوجتنا فاطنه أحمد عبد الغفار
يوصل ويسلم ليها
في منزلنا الكاين في جبلايه الفار
أنا ربنا جابني الدنيا من غير ورث
واداني منابي فيكي
إنتي يا فاطنه أغلى ما ماسك في ايديا
وما طالب منه غير بس يبارك فيكى
ويديني الجهد ف دراعيني أقدف بيكى
ما قدرشي أعكز ف طريق إلا بيكي
إن مالت بيا الدنيا تسندني إيديكي
وإذا كنت باقول إني في أسوان عال
فأنا عال.. لأن العمر منفد ع الجبلاية.
والجبلاية فيها فاطنه اللي واخدها
بسنة رب الدنيا ورسوله.
فمنين جوهره ولا ميه
حينوروا زي عنيكي المليانين طيبه وحنيه
ف لياليا ..؟
أما زوجته فاطنة أحمد عبدالغفار، حين يقتلها الشوق وتبحث عن كلمات لتعبر لا تجد أمامها إلا ما تطوله يداها فتكتب له:
زوجي الغالي.. الأسطي حراجي القط العامل في السد العالي
وصلنا الطرد وجانا المبلغ يا حراجي
أحياك الرب وأبقاك ألفين عام
ولا عاد يقطعلك عادة ولا حس
ولا يقفل لك كف
ولا يطوي من قدامك سجادة الخير والسعد
أما بعد،،
في الليل يا حراجي تهف عليا ما عرف كيف
هففان القهوه .. على صاحب الكيف
وبامد إيديا في الظلمه ألقاك جنبي
طب والنبي صُح
ومش باكدب يا حراجي
وباحس معاك إن الدنيا لذيذة
أما عن احنا بنتشوقلك فاحنا بنتشوق.
والشوق في قلوبنا ناسِسْ نسسان.
ولا يمنعناش من شوقنا ليكم حتى قطع الخطابات.
هيَه اللي حبلت بالواد
تقدر برضه جوزها يغيب ولا ولدْها
وماتتشوقش؟
ده يبقى قليبها اسود من قلب قزازة الكحل.
يا سلام والله يا حراجي يا سلام.
ليه غايب ليك يوم ولا ست تيام؟
ده احنا دخلنا ف رابع شهر
والأيام تقلانه عليّا يابوعيد.
وحكاية الشوق دي لا في الإيد
ولا ليها مواعيد.
وماله طب لما انتو تشتغلوا هناك
واحنا نشتاق ..؟
احنا عاجبنا شوقنا ليكم أحسن م الأنفاق.
جوابات حراجي القط.. بين الشعر والذاكرة الوطنية
يظهر الديوان أهمية الأبنودي في إضفاء صوت على الذين لا صوت لهم، وجعل الشعر أداة لتوثيق التاريخ الاجتماعي والسياسي، فالرسائل بين حراجي القط وزوجته ليست مجرد قصص حب واشتياق، بل توثيق لمعاناة العامل المصري في مشروع قومي، وتحويل تجربة يومية إلى شعر يحمل بعدا وطنيا وإنسانيا.
كما يشير الكتاب الجديد، إلى أن الأبنودي استطاع أن يجعل من تجربة العمال مرآة لمجتمع بأكمله ترصد صعوبات الحياة، التعب، الانتظار، الشوق، والحلم بمستقبل أفضل، في ظل أحداث كبرى شكلت التاريخ المصري الحديث.

يبقى عبد الرحمن الأبنودي شاعر الهوية المصرية ليس فقط لقدرته على صياغة اللغة العامية بأجمل صورها، بل لقدرته على تسجيل التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر عبر صوت المواطن البسيط، ويمثل ديوان «جوابات حراجي القط» نموذجا خالدا لكيف يمكن للشعر أن يكون وثيقة حية، ومرايا للمجد والمعاناة والتاريخ، وأن يربط بين الإنسان والأحداث الوطنية الكبرى، من السد العالي إلى الحروب والتحديات اليومية.