هناك لحظات لا تُنسى ولا تمر كحدث عابر أو حادثة فردية… لحظات تترك في قلب كل أم وكل أب ندبة لا تزول، لحظة أن يخبرك طفلٌ في الخامسة من عمره بأنه خائف ، خائف من مكانٍ كان يجب أن يكون بيته الثاني ، خائف من يدٍ كان يجب أن تحميه وليست التي تؤذيه.
زلزال اجتماعي ضرب مصر من أقصاها إلى أقصاها، بعدما كُشف عن وقائع تحرش واعتداء وهتك عرض أطفال صغار داخل مدرسة خاصة يفترض أنها «صفوة» و«آمنة» و«ممتازة»… كلمات براقة انهارت أمام دموع أطفال أبرياء.
الأسماء قد تختلف… زينة، آيسل، وياسين وغيرهن من الأطفال الذين لا يعرفون معنى الجريمة ولا يفهمون كلمة “انتهاك”، لكنهم فهموا جيداً معنى الخوف.
هؤلاء الأطفال لم يفقدوا جزءاً من طفولتهم فقط، بل أفقدونا نحن أيضاً الإحساس بالأمان، ووضعونا في مواجهة سؤال صادم: هل مدارسنا آمنة؟ أم أن الخطر أقرب مما نظن؟ ، هل البشر في مجتمعنا تجردوا من الإنسانية وتفشت الأمراض النفسية والشذوذ ، والأهم هل القوانين رادعة ؟!!
سلطت وسائل الإعلام المحلية الضوء على واقعة "مدرسة سيدز"، مما دفع إلى أن تصبح قضية رأي عام في مصر. وارتفعت معدلات الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي ، بين انفجار الأمهات التي تبكي أمام الكاميرات ، ويصرخون " مش هنسيب حق أولادنا " وهي ليست جملة انفعالية ،بل جملة مجتمع كامل فقد الثقة في النظام التعليمي لبعض المدارس وفي بعض القوانيين ، وفي الحماية المفترض أن تكون مقدسة، وتعالت الأصوات وزادت حالة الغضب الشعبي ، والغضب هنا "حق وواجب ، وصوت ضمير".
أخطر ما في الأمر ليس الجريمة وحدها– على فظاعتها – بل في الواقع القانوني الذي يجعل طفلًا في سن الخامسة يخرج بصدمة عمرية، بينما يحدث أن يُحاكم الجاني كـ"حدث" وقد يحصل على عقوبة لا تتجاوز 15 عامًا في أغلظ الأحوال.
خمسة عشر عاماً؟
هل خمسة عشر عاماً ثمن براءة تُكسر؟!
ثمن طفلة تستيقظ ليلاً وهي تصرخ؟!
ثمن طفل فقد ثقته بنفسه وبمن حوله؟!
هل خمسة عشر عام ثمن تلقيه غدرة تزلزل كيانه وفعل غير إنساني مشوه؟!
لا يوجد شيء اسمه “عقوبة مخففة” عندما يكون الضحية طفلاً ، ولا يوجد شيء اسمه “ظروف سنية” لمن يدمّر نفساً بشرية لم تتجاوز الروضة ، فقانون الأطفال بصيغته الحالية لم يعد كافياً ،هو قانون وضع قبل سنوات طويلة، ولم يعد مناسباً لواقع جرائم اليوم… ولا يناسب حجم الألم الذي يعيش فيه الضحايا وعائلاتهم ، ولا حتى يتناسب مع أعمار الأطفال فقد اصبحوا أكثر خبرة ونضج مما نعتقد نظراً لانفتاح العالم وما يتعرضوا له على مواقع التواصل الاجتماعي.
الغضب ليس بلا بوصلـة ، المطالب واضحة، عالية، وصريحة ، وأولها تشريع عقوبات أشد تصل إلى الإعدام أو المؤبد ، نعم… الإعدام. وليس لأن المجتمع متعطّش للانتقام، بل لأن حماية الأطفال قيمة أعلى من كل جدالات “الحقوق” و“الإصلاح”.
ونظراً لأن وزارة التربية والتعليم أكدت أن «أمن الطفل ليس مجالاً للتفاوض، وأي تقصير سيتم محاسبة أصحابه فوراً». وعقد المجلس القومي للطفولة والأمومة اجتماعات عاجلة لمتابعة القضية، ووصف ما حدث بأنه «جريمة تهز الضمير الوطني». وصرّحت جهات داخل البرلمان بأن حادثة بهذا الحجم «لا يجوز التعامل معها بالقوانين التقليدية»، داعيةً لإعادة النظر في تعريف الجرائم المرتكبة ضد الأطفال وإدراجها ضمن «جرائم قصوى تستوجب أعلى درجات الردع». هذه التصريحات الرسمية جاءت متناغمة مع الغضب الشعبي، وكأن الدولة والمجتمع يرفعان الصوت نفسه: حماية الطفل خط أحمر لا يسقط بالتقادم ولا بالعُمر القانوني للجاني.
لذا أصبح واجبٌ وطني أن نقولها بصراحة: العقوبات الحالية لا ترضي ضمير المجتمع، ولا تُحقق العدالة الكاملة لضحايا صغار لم يدركوا ما يحدث لهم. لذا، من الضروري أن يتم تعديل القانون ليشمل:
إدراج عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة في الجنايات التي تُرتكب ضد الأطفال ، وإن كانت مسألة الإعدام تفتح نقاشات أخلاقية وقانونية، إلا أن حالة الغضب وتكرار الجرائم تفرض الوقوف عندها كتفكير جاد.
فرض إجراءات وقائية صارمة كأن يكون لكل مدرسة لجنة رقابة مستقلة، وكاميرات تغطي كل الأماكن، وفحص جنائي وتحاليل سلوك لكل العاملين، مع آلية إبلاغ فورية – “خط طوارئ” – لكل شكوى حتى لو كانت صغيرة.
دعم نفسي وعلاجي للضحايا لفترات طويلة، لأن أثر الجريمة لا يزول بين ليلة وضحاها، بل يلاحق الطفل مدى الحياة.
محاسبة الإدارة والمدرسة ليس فقط المتهمين بالتنفيذ، بل من سمح ببيئة الإرهاب داخل المدرسة من دون رقابة، ومن لم يتخذ إجراءات حاسمة عند أول شكوى.
نحن اليوم أمام لحظة فاصلة ،إما أن نكون مجتمعاً يخاف من مواجهة الحقيقة، أو مجتمعاً يقول: لن يُؤذى طفل بعد اليوم… ليس على أرضنا.
القانون يجب أن يتغير لا ليعاقب المجرم فقط، بل ليُعيد إلينا نحن شعور الأمان ، ليعيد للأم قدرتها على أن تُرسل طفلها للمدرسة دون خوف ، وليقول للجميع، بصوت واضح وقاسٍ وحاسم: "طفل واحد يُؤذى… يعني أن المجتمع كله في خطر" ، ونناشد بضرورة التحقق مما تردده بعض صفحات مواقع التواصل حول وجود فيديوهات على تلفونات مرتكبي الواقعة ، وهم يرتدون أقنعة ويرتكبوا الواقعة ، لأن ذلك يفتح باب أخر مرتبط بجرائم "الويب دارك" .
لن نسمح أن تمر هذه الجريمة مرور الكرام، ولن نرضى أن يُعامل مرتكبي الاعتداء على طفل بخمس عشرة سنة فقط وكأن الجريمة “عادية”. إنّها ليست “عادية” — إنها انتهاك طفولة، انتهاك براءة، انتهاك أمان يجب أن يُحمى. الغضب الذي عبر عنه ملايين المصريين عبر السوشيال ميديا يجب أن يتحول إلى ضغط تشريعي واقعي.
يجب أن يُكتب التاريخ بأن “هنا تغيّر القانون” ولم يعد هناك “عقوبة مخففة أو تطبيق روح القانون” لمن يستهدف الأطفال.