رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 شهدت أيام 22 و23 نوفمبر 2025 انعقاد قمة G20 في مدينة جوهانسبورج بجنوب أفريقيا، في مناسبة تاريخية لأنها المرة الأولى التي يعقد فيها اجتماع قمة العشرين على أراضي أفريقيا.

كامرأة عربية ومراقبة للعالم من منظوري، فإن مشاركة مصر في هذه القمة تستحق تسليط الضوء، فما الذي مثلته، وما الرسائل التي أرادت القاهرة إرسالها، وما هي التحديات والفرص التي قد تستفيد منها.

السياق العام للقمة

القمة جاءت تحت شعار التضامن والمساواة والاستدامة، وهو تعبير قوي عن أولويات جنوب أفريقيا رئيسة هذا العام لمجموعة العشرين. هذا الشعار لا يعكس فقط طموحات الدولة المضيفة، بل ينسجم مع مطالب العديد من الدول النامية، خصوصًا الأفريقية، في إعادة توازن النظام الدولي نحو مزيد من الإنصاف والتنمية المستدامة.

في وقت يشهد فيه العالم أزمات متعددة، تغيرًا مناخيًا، وأزمات ديون، وفجوة تنموية، تأتي هذه القمة كمنصة مهمة لمناقشة كيف يمكن أن يكون لمجموعة العشرين دور فعّال في إيجاد حلول شاملة للعالم من منظور متعدد الأطراف.

حضور مصر: ما الذي مثّلته المشاركة؟

تمثيل رفيع المستوى

شارك رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في جوهانسبورج لقيادة وفد مصر. ورافقه وزير الهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي. هذا التمثيل يعبّر بوضوح عن أهمية القمة بالنسبة للقاهرة، فهي لم ترسل وفدًا ثانويًا، بل قيادة حكومية عليا.

أولويات مصر في القمة

من تصريحات مدبولي، يتبيّن أن مصر ترى في القمة فرصة لدفع إصلاح الهيكل المالي الدولي، ومعالجة أزمة الديون، وتعزيز الوصول إلى التمويل للدول النامية. وهذه أولويات محورية لمصر، بلد يعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة ويحتاج إلى موارد دولية لدعم تنميته.

كما أشاد مدبولي بدور جنوب أفريقيا رئيسة القمة، معتبرًا أن أولوياتها تخدم وجهة نظر أفريقيا والدول النامية داخل مجموعة العشرين. هذه الرسالة تدل على رغبة مصر في التعاون الأفريقي وتعزيز صوت القارة ككل ضمن التحالفات العالمية.

أنشطة مصر على هامش القمة

إلى جانب حضور الجلسات الرسمية، عقد مدبولي سلسلة لقاءات مهمة من الجانب الاقتصادي. فقد التقى ممثلين من شركات جنوب أفريقية بارزة، من بينها شركة AngloGold Ashanti المعروفة بنشاطها في التعدين. وناقش معهم إمكانية توسيع الاستثمارات في مصر، خصوصًا في قطاع الذهب، مما قد يعزز النمو الاقتصادي المصري ويجلب مزيدًا من الشراكات. كما التقى القادة ورجال الأعمال في جنوب أفريقيا لتوطيد العلاقات الاقتصادية، وإظهار أن مصر ترحب بتوجيه الاستثمارات الكبرى نحو اقتصادها.

البعد الرمزي والدبلوماسي

مشاركة مصر في قمة تعقد في أول دولة أفريقية تستضيف مجموعة العشرين لها بعد رمزي مهم. فهي أولًا تؤكد تمكين أفريقيا، إذ يعزز التواجد في قمة أفريقية دور مصر كقوة إقليمية تسعى لأن تكون جسرًا بين طموحات القارة الكبرى والطموحات التنموية العالمية. وثانيًا تعبر عن دعم النظام متعدد الأطراف، إذ تسعى مصر إلى آليات دولية أكثر إنصافًا، خصوصًا في ملفات التمويل والتنمية والديون. وثالثًا تمنح مصداقية للقضايا التنموية، لأن التركيز على الاستثمار المستدام والتجارة الخضراء يشير إلى أن مصر تطلب من المجتمع الدولي النظر إلى التنمية من منظور طويل الأمد ومراعٍ للبيئة.

التحديات التي أمام مصر

لكن الطريق أمام مصر ليس سهلًا، فهناك عدد من التحديات التي قد تواجهها. ففجوة التمويل والمطالب بإصلاح النظام المالي الدولي وتعزيز التمويل للدول النامية قد تصطدم بمقاومة من بعض الدول الغنية أو من بنية مؤسسات التمويل الدولية. كما أن المنافسة الإقليمية قائمة، إذ تسعى الدول الأفريقية الأخرى إلى الاستفادة من الزخم الناتج عن رئاسة جنوب أفريقيا، مما يجعل مصر بحاجة إلى ترسيخ تحالفاتها بذكاء. أما تحقيق الناتج الاقتصادي، فالتوقيع على استثمارات خطوة أولى، لكن الأهم هو تنفيذ المشاريع على أرض الواقع وتحقيق عوائد ملموسة تفيد الاقتصاد المصري والشعب.

تقييم شخصي من منظور امرأة عربية

كامرأة عربية أراقب تطور دور بلادي في الساحة الدولية، أرى في مشاركة مصر في قمة جوهانسبورج إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا. أولًا لأنها تمثل تأكيدًا أن صوت الدول العربية، وليس فقط الكبرى منها، ما زال مهمًا في المحافل العالمية. وثانيًا لأن القضايا التي سلطت عليها مصر الضوء كالتمويل والديون والاستثمار المستدام هي قضايا تمس حياة الناس في العالم العربي وأفريقيا، وليست مجرد نقاشات نظرية. وثالثًا لأنها فرصة لتعزيز الاستقلال الدبلوماسي، فمصر تستطيع أن تكون لاعبًا فاعلًا في النظام الدولي دون الانحناء فقط لتوجهات الاقتصادات الكبرى، بل من موقع شريك متعدد الأوجه.

قمة G20 في جوهانسبورج تمثل لحظة مهمة في تاريخ العلاقات الدولية، كونها أول قمة تعقد في أفريقيا، وشعارها التضامن والمساواة والاستدامة يعكس رغبة حقيقية في تغيير النظام نحو مزيد من الإنصاف. ومشاركة مصر ليست فقط رمزية أو بروتوكولية، بل استراتيجية، من خلال حضور رفيع المستوى ولقاءات اقتصادية مهمة وتركيز على قضايا تنموية، بما يرسخ دورها كقوة إقليمية تسعى إلى تغيير القواعد لصالح الدول النامية. لكن الطريق ليس سهلًا، فالتحديات المالية والتنفيذية كبيرة، والمكسب الحقيقي سيتحقق فقط إذا نجحت مصر في تحويل هذه الاجتماعات والوعود إلى استثمارات ملموسة وتنمية حقيقية.

ومن وجهة نظري كامرأة عربية، فإن هذه القمة تمنح مصر وأفريقيا منصة نادرة لإعادة صياغة بعض أولويات النظام العالمي، وهي لحظة يجب أن تستثمر بحكمة وشجاعة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء